سعد الدين العتماني من صخب السياسة إلى منبر الفكر

عمان1:تربطني بالسيد سعد الدين العتماني صلة عميقة وقديمة فقد جمعنا المنتدى العالمي للوسطية منذ عشرين عاماً واصطحبنا في زيارات كثيرة لليمن والباكستان وعمان ومصر وشاركنا معاً في تأسيس رابطة كتاب التنوير وأنا أعتبره أحد رموز التنوير الإسلامي في العصر الحديث.
لم يخطر ببالي أن هذا الشاب النقي الهادئ سيدخل بسرعة صخب السياسة اليومي ويرتقي بشكل مدهش وسيقود وزارة الخارجية المغربية لعدة سنوات ثم يقود الحكومة المغربية مرتين، فالرجل شديد التواضع واللطف، ولا يملك حزم الزعماء ولا تجهّم حواجبهم، ولا يتقن فن الضرب على الطاولة والصياح في وجه الموظفين، وعلى صعيد اهتماماته الشخصية فليس له أي اهتمام عسكري او استعراضي ويتركز اهتمامه الشخصي بالشغف بالتراث، وقد أنجز عدداً من الأعمال الفكرية المهمة  والجريئة في سياق تصرفات النبوة والإمامة وتأصيل أدواتها ووسائلها ومناهجها، وكان أغلى ما يملكه لابتوب قام بتحميل مئات الكتب التراثية عليه قبل عصر الروابط الالكترونية، وكان يعيش ليله ونهاره مع القرافي والشوكاني والشاطبي والآمدي، ولم يكن يكاد يرفع رأسه عن مطالعة هذا الكتب بنسخها الأصلية، وكانت حواراته معنا تبدأ بمالك وتنتهي بسحنون، وكانت شواهده من ابن خلدون وابن رشد ولسان الدين بن الخطيب في نزعة مغاربية واضحة ولكنها لا تعدو دوحة التراث وبساتينه.
ولست أدري كيف وجد هذا الرجل النحيل المهموم بالتراث وحروفه سبيله إلى المزاحمة في تلك المنصات الصاخبة بالأهوال، ولعل مشهده اليوم وهو يترجل منها أقرب إلى شخصيته من مشهده وهو يتسلقها بمصانعة وتكلف لم يكن يشبهه في شيء.
الخلاصة أنه وصل بالفعل، وحظي بثقة الناس والملك، وأعلن رئيساً لحكومة أمير المؤمنين، واجتمعت في يده الصلاحيات الخطيرة التي لا تشبه في شيء قلبه الرقيق، ولا أستطيع أن أتصوره يأمر الجيش والعسكر ويوقع عقود السلاح ويصادق على الأحكام القضائية الصارمة ويشكل جيش الصد الحازم في وجه ثوار الصحراء وهو مهموم بالسلام والمحبة والرفق واللين وفقه الإعذار، وقد تواصلت معه قبل عامين بشأن السوريين العالقين في الصحراء بين حدود الجزائر والمغرب وفاجأني بانه لم يغير هاتفه القديم رغم التزاماته الكثيرة وزيراً للخارجية ورئيساً للوزراء، وظل على لطفه المعهود ووده لأصحابه، وهي مناسبة لأشكره على دوره النبيل في إنهاء أزمة السوريين العالقين آنذاك.
أياً ما كان فقد وصل الرجل وأدى دوره بأمانة، ولكنه بدا الأفول السياسي أمام التحولات الكبرى في المغرب، وهو يواجه اليوم النتائج الصادمة للانتخابات التي هبطت بالعدالة والتنمية من 125 مقعداً إلى 13 مقعداً فقط وهي بالطبع هزيمة نكراء لا يمكن التخفيف من صدمتها.
بعض صقور العلمانيين العرب يتلقون النتائج بهستيريا صاخبة تحت عنوان سقط الله فازت الحداثة، وخلال ساعات نشرت مئات المقالات التي تثبت أفول العصر الإسلامي ومجيء أتاتورك، وسقوط البابا والقسيس وانتصار ميرابو وروبسبير وجان بول مارا، وباتت الصحف العربية منبراً يشفي صدور الشامتين الذين يقدمون أدلتهم على أفول الإسلام وصعود العصر الإلحادي وبدء نهاية التاريخ.
قناعتي أن ما جرى سياق عادي تماماً وليس في صعود الإسلاميين هول ولا في هبوطهم هول، فهو سياق التاريخ والخدمات التي تقدمها الأحزاب المتنافسة هي التي تقود الناخب، ولا يوجد سبب لتصور الإسلاميين الديمقراطيين بمعنى الحالة الانقلابية على التاريخ والدهر، فقد أنجزت الحضارة تقريب الناس، وباتت القيم الحضارية مشتركة عند الجميع كما باتت القيم الجاهلية محل استنكار الجميع.
المشروع الإسلامي الديمقراطي بات مستأنساً، ولم يعد انقلاباً على قيم الديمقراطية، وهبوطه هنا وصعوده هناك لا ينبغي أن يفهم أنه صراع بين الله وإبليس، فالإسلاميون في المغرب حكموا  نحو تسع سنوات ولكن لم تنطبق السماء على الأرض، ولم يتم فرض الحجاب ولا الصلاة ولا الصوم ولم يجلد تارك الصلاة ولم يرجم الزناة ولم تقطع يد السارق، ولا يوجد أي مطالبة مسجلة في البرلمان المغربي بالعودة إلى نظام الحدود الإسلامي على الرغم من الأغلبية البرلمانية التي تمتعوا بها تسع سنوات تحت ظل أمير المؤمنين الذي يحكم بقيم دينية خالصة، ولم يقم بذلك أي نائب حتى على منطق معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون، ولم تطرأ أي قيود تذكر على تداول الخمر وعلى نوادي الليل، وتنامت بشكل لافت الحركات النسوية ومطالبها المتزايدة نحو الحداثة، واستمرت المحجبات والسافرات في نشاطهن المعتاد، وحين دعتني أمنستي في 2013 إلى المغرب فوجئت بحجم الصعود النسوي وحرية المطالبات بحقوق المرأة وتمكينها، وثورة الإصلاح الهائلة في قانون الأحوال الشخصية، وغياب أي دعوة للحدود أو تبرير أو مطالبة، بل كان مدهشاً التزام العدالة والتنمية بوقف عقوبة الإعدام التي لم تنفذ منذ ثمانية وعشرين سنة في المغرب، وخلال تسع سنوات من حكم الإسلاميين لم يطبقوا أي حد من الحدود الفقهية المعروفة بما فيها عقوبة الإعدام، واستمروا في تطوير القوانين وعصرنتها والتزام قيم المجتمع الدولي وحقوق الإنسان، ولم يكن لدى معارضيهم من كلام ضدهم غير افتراض أجندة خفية، وأنهم يعملون في السر على العودة بالبلاد إلى حكم القرون الوسطى دون أن يكون لديهم أي دليل واضح ملموس على توجه كهذا.
الأمر نفسه في تركيا فقد بدأ تولي الإسلاميين للحكم منذ خمسة وعشرين عاماً، إنها ربع قرن!! والعدالة والتنمية على سدة الحكم منذ تسعة عشر عاماً دون انقطاع، ولكن لم يتم فرض الحدود الشرعية الفقهية، ولم يحصل أي جلد او قطع أو رجم، ولم يتراجع الحكم الإسلامي حتى عن إلغاء عقوبة الإعدام، وازدادت الحركات النسوية نشاطاً وفاعلية، ولم يجلد ظهر أحد ولا قطعت يد أحد ولا رجم جسم أحد ولا فرضت الصلاة على الموظفين ولا الحجاب على النساء ولا اللحية على الرجال، وليس في مطالب النواب حتى الصقور من العدالة والتنمية أي من هذه الأماني الموهومة، حتى الخمور والخنزير ونوادي الليل فقد تابعت نشاطاتها بشكل طبيعي، ولا أعتقد اننا نجانب الحقيقة إن قلنا إنها شهدت ازدهاراً في سياق تطور السياحة في تركيا، ولا تزال تحظى بحماية القانون وتنظيمه، وظلت صور أتاتورك وما يرمز إليه من حداثة وعصرانية تملأ الساحة السياسية انتماء وتبجيلاً ومرجعية.
لست أدري لماذا يتعين على العلمانيين أن يخوفوا الناس من كل ما هو إسلامي، بدعوى أنه قادم من المجهول يحكم الواقع بمخالب الغيب، مع أن كل التطبيقات التي وقعت في تركيا وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا في نجاحها وفشلها لم تتورط بأخذ البلاد إلى هذه المخاوف الموهومة.
نعم يخشى من الإسلاميين الاستبداد كما يخشى من سواهم، ويخشى عليهم الفشل الإداري كما يخشى من سواهم، فالمسألة في العمق مسألة خدمات وإدارة، وقد ينجح الإسلامي أوالعلماني وقد يخفقان، بغض النظر عن الخلفية القيمية التي يعتنقها كل طرف.
شخصياً لا أرى أي تحول ثوري في وصول الإسلامي أو رحيله، هي أحزاب سياسية تتنافس تحت سلطة الدستور، تقوم وتترنح وتسقط ثم تعاود القيام والظهور، وأتمنى بالفعل أن لا نتحول إلى مجرد نعائين على أطراف الكوكب ننعي الحريات كلما وصل إسلامي إلى الحكم، وننعى الإيمان كلما وصل العلمانيون إلى السلطة.
هدف هذه المقالة هو تدوير الزوايا، والإيمان بالعصر الجديد القائم على التكيف، وإعذار الآخر وتفهمه، فقد انتهت الحروب الدينية الماحقة التي وسمت العصور الوسطى بطابعها، وباتت الكنيسة والمخبر في وفاق من نوع جديد، فلا يغضب العلم حين نروي له حكاية البراق الذي تركبه الأنبياء، ولا زيت العذراء الذي تظهر به العجائب، ولا تغضب الكنيسة ولا المسجد حين يكرس العلم نظرية التطور وينكر قصة آدم وحواء وطوفان نوح وعصا موسى، وبات من العادي أن يكتفي كل طرف بالقول لكم دينكم ولي دين.
لقد صارت الأمور أكثر هدوءاً وواقعية، وينبغى أن نسير في هذا السياق وأن نتقبل التحولات السياسية بأسبابها الواقعية، وعلى فريق العدالة والتنمية المغربي أن ينسحب من الواجهة ويتيح لجيل من الشباب يدرس الأخطاء ويعالجها، وسيأتي في الانتخابات القادمة برؤية مختلفة وتصور إصلاحي يعيد له مكانته المفقودة وهذه سنة الحياة.
بقي أن أقول للصديق العزيز سعد الدين العتماني لقد أنجزت الجانب السياسي من حياتك وآن لك ان ترتاح، وفي اعتقادي فإن العتماني مؤهل تماماً ليكون واحداً من فقهاء الإسلام الكبار ومن قادة الفكر الإسلامي المتنورين ولا يوجد من يوازيه في خبرته وعلمه وأخلاقياته ليكون بعيداً عن الشأن السياسي اليومي رائد الفكرالإسلامي المتنور في العصر الحديث.
إنني ارجو من القلب أن يكتفي العتماني بما أداه في الشأن السياسي اليومي، وأن يثق بجيل الشباب وحسناً فعل بتقديم استقالته وفريقه من صدر المشهد، وأرجو أن لا ينصت للمتحمسين الذين يدفعونه اليوم لخوض غمار التحربة من جديد، وأدعوه أن يقدم فريقاً من الشباب أكثر جلداً ونشاطاً، وان يتبوأ مكانه الذي يستحقه كفقيه كبير ومعلم حكيم يسترشد به العالم الإسلامي.
لقد أضاع العالم الإسلامي فرصتين كبيرتين لقيام مرجعية إسلامية تحظى باحترام العالم وهما الترابي والغنوشي وذلك في صخب العناء اليومي والخصام السياسي الذي لا ينتهي، والذي وفر لكل منهما من الأعداء ما يفسد كل خطاب إصلاحي ويشوش على كل فكر تنويري، ولكن الفرصة اليوم مهيأة للعتماني لنقدم للعالم الإسلامي مالك بن نبي جديداً أو بيغوقيتش او محمد إقبال أو وحيد الدين خان، فأنت تملك بالضبط هذه المواهب، ولديك تجربة صاخبة كبيرة تخولك قراءة التاريخ والحكم عليه بعين بصيرة.
أتمنى من المنتدى العالمي للوسطية ان يعقد مجلس رابطة كتاب التنوير بأسرع وقت، وإجراء انتخابات لقيادة هذا المشروع الرائد وأرجو ان يدرك العتماني الذي أشرف بشكل مباشر على تأسيس هذه الرابطة في مصر أنها المنصة الأكثر مناسبة وواقعية وطهراً ليطلق من خلالها مع فريق متميز رسالته في توجيه الوعي الإسلامي كرائد فريد من رواد الإصلاح الكبار في التاريخ.

د محمد حبش